محمد أبو زهرة
26
زهرة التفاسير
المنسوبة للتابعين ؛ فإنه قد حدث في عهد التابعين أمران كانا سببا في دخول كلام في تفسير القرآن ليس منه ، ولا مقتبسا من روحه : أولهما - دخول كلام من بني إسرائيل إلى العلم الإسلامي ونسبوه إلى التابعين على أنه من أقوالهم ، وقد روى أن بعض من ينسبون إلى صحبة النبي صلى اللّه عليه وسلم استهواه ما عند اليهود ، فنقله ، حتى إنه ليروى أن عبد الله بن عمرو بن العاص ، نقل في غزوة اليرموك حمل راحلتين مما عند اليهود ، وتسرب إلى العقل الإسلامي ونسب إلى بعض التابعين ، بل إلى بعض الذين لهم صحبة بالرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وإن لم يكونوا من الرعيل الأول الذي حمل علم الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وما زال العلماء في هذا يعانون الكثير ، مما اختلط بالتفسير من الإسرائيليات ، ومحاولة رحض « 1 » التفسير منها ، كما يرحض الثوب الأبيض الناصع من الأقذار التي علقت به . وإذا كان اليهود عجزوا عجزا مطلقا عن أن يعبثوا بالقرآن كما عبثوا بغيره ، فإنهم أتوه من ناحية تفسيره ، ولكن ذلك لا يمسّه ، بل يمسّ العقول التي لا تمحّص ولا تدرك ، ولا تحكم بقرآن ، ومقاييس العقل ؛ ولذلك بقي النبع الإلهى الصافي يدركه من يتأمل ما أحيط به فينبذ الزيف ، ويدرك الجوهر الصافي . ثانيهما - أنه في عهد الأمويين ، وهو عهد التابعين ، وجد من النصارى الذين كانوا في حاشية الأمويين من يعملون على بث الروايات الكاذبة حول القرآن ، وينسبونها للتابعين ، كما نرى في القصة المكذوبة على رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في زواجه بالسيدة أم المؤمنين زينب بنت جحش ، فقد ادعى النصارى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم رأى زينب في حال أثارت عشقه ، فأمر زيدا أن يطلقها ، وأن يتزوجها ، وبث هذا الادعاء فيهم يوحنا الدمشقي الذي كان في خدمة الأمويين وراجت هذه الأكذوبة التي لا أصل لها إلا إفك هذا الأفّاك ، ونقلت عن بعض التابعين ، وفسر بها قوله تعالى :
--> ( 1 ) رحض - من باب منع - الثوب رحضا ، ورحوضا : غسله فهو راحض ، والمفعول مرحوض ورحيض [ الوسيط ] . والمقصود : تنقية كتب التفسير مما علق بها من الأقوال غير الصحيحة ، والوجوه غير المحتملة .